ابن فرحون
75
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )
فقال لي : فاخفض قليلا ، فلم أفعل ، فأصابني عارض من نزلة منعتني أن أتكلم . فمرّ عليّ ، فقال لي : يا محمد ما ترفع صوتك ! فقلت بالإشارة : يا سيدي ، أنا تائب إلى اللّه تعالى ، ففرّج اللّه عني في الحين . وكان الشيخ أبو الربيع - رحمه اللّه - فقيه المدينة ومفتيها على مذهب مالك ، وكان إذا سئل عن المسألة يقول للسائل : هل سألت الشيخ أبا عبد اللّه بن فرحون ؟ يعني والدي رحمه اللّه . فإن قال : لا ، يقول : اذهب واسأله وأخبرني بما يقول لك ، وإن قال : سألته ، يقول له : ماذا قال لك ؟ فإذا أخبره نظر ، فإن كان مما اتفقا عليه أمر السائل به ، وإن كان فيه مخالفا ما ، قال له : اذهب حتى أجتمع به . فيجتمعان ويحرران المسألة ، ثم يأمران جميعا السائل بما يتفقان عليه ، ولم يزالا كذلك حتى توفي قبل والدي بمدة طويلة رحمه اللّه . وجاءت إلى السراج وظيفة التدريس في درس سلار ، فنكب عن والدي ، وطلع إلى الشيخ أبي الربيع في بيته بالمدرسة . وقال له : خذ هذه الوظيفة فدرّس فيها . فقال له : يا سراج الدين ، وأين أنت عن الشيخ أبي عبد اللّه بن فرحون ؟ واللّه إنّه أعلم مني وأحقّ بها مني . وامتنع منها حتى رجع السراج يطلب لها والدي ، وكان ذلك من السراج لشيء خشي من وقوعه ، فوقع ما توقع ، واللّه غالب على أمره . وأخبرني الشيخ عمر الخزّار : أنه حضر موته فكان يقرأ القرآن ، فلمّا فاضت روحه كان يقرأ آية في سورة يوسف انتهت قراءته إليها ، وهي قوله تعالى : تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [ يوسف : 101 ] . فانظر إلى هذا الرجل ومقامه ، وما كان من علو شأنه ، كان لي - منه رحمه اللّه - نصيب وافر ودعاء كثير ، أرجو من اللّه العظيم أن يحقّق لي قبوله بمنّه وكرمه .